لا ترجمونني، فأنا لست ألها

مشيت طويلا وراء أحلامي، كانت أحلاما مشبعة بإرادة ذلك الفتى المراهق، الذي ظن نفسه يوما بأنه سيتمكن من تفتيت الصخور التي تظهر أمامه، و يطفئ النيران التي تعرقل مسيرته، و يزيل الغيوم التي تحاول حجب الرؤيا من أمامه، ظننت نفسي بأني سأكون أقوى من المارد، و أني سأتمكن من تحقيق العدالة في هذا العالم، و استمديت قوتي من إرادتي و إيماني بأحلامي، و من الغذاء الذي كانت السيدة والدتي تعطيني إياه، و التي كانت ترى إبنها أفضل شاب في هذا الكون، و تقنعه بأن ما من شيء يقف أمام الإرادة و العمل الجاد و الدؤوب يقف خلف أي نجاح….نشأت على الحقيقة و على الصدق و الصبر و عرفت أن الطريق لن تكون مفروشة بالورود، و مررت بظروف قاسية و تجاوزتها، و أختبارات صعبة و نجحت بها، و كثيرون حاولوا الوقوف في وجهي، لعدة أسباب، و تغلبت عليهم، و ظننت نفسي بأني الفتى الذي لا يقهر, و في إحدى المرات، عندما كنت شابا، أذكر جيدا، كان الطقس باردا جدا، و صوت الرياح قويا و صفيره مخيفا، عند آخر الليل، ذهبنا إلى النوم، كانت الرياح شديدة، فكان البرد يدخل من بين الشبابيك و الأبواب، و لم نكن نملك ثمن المدفأة، و لا توجد كهرباء، فالدنيا ظلام أسود… لم نستطع النوم، من شدة البرد…. كنت أسمع صوت والدتي و هي ترتجف، و أخوتي الصغار يلفون بعضهم و يلبسون الكثير من الثياب…. قالت والدتي، خذ هذه المنشفة، ضعها على ظهرك قد تدفئك قليلا… قلت لها :ما رأيك بأن أضع ورق من الدفاتر القديمة و بعض أكياس النايلون، و الثياب البالية ، بين الفراغات في الشبابيك و الأبواب، قالت لي:لن نستفيد يا و بني، فلا شيء يتغلب على هذه الرياح القوية ….أذكر جيدا ذلك اليوم، بقيت أعمل حتى الفجر، أحاول في هذا الشباك و أنتقل إلى الآخر، و من باب إلى باب إلى باب… دون جدوى، و لم أسمع كلمات والدتي التي كانت تقول، كفى لعبا و تعبا يا بني، نم و ارتاح، سندفأ بعد قليل… لا تتعب جسدك أكثر، حتى نامت…. و عند الصباح هدأت الرياح، و استيقظ الجميع، و أنا استسلمت للنوم بعمق، بعد تعب و عناء…………….و عندما كبرت و أنهيت دراستي الجامعية، قلت لوالدتي، يا أمي، سننسى الفقر، و الأيام السوداء، بعد اليوم ستتغير حياتنا، سترين كيف أجعلك تضحكين، و أبدل المنزل، و كل أسبوع سنذهب للعشاء في أحد المطاعم، و أجعل الناس تأتي إليك من كل مكان، طلبا للمساعدة، ستصبحين سيدة القوم….. و أكتفت والدتي بإبتسامة صغيرة، و بالأمنيات الكبيرة، و كأنها تعرف، بأن الفقير يبقى فقيرا، و الكبير يأكل الصغير و قد يأكل نفسه إن إضطر……… و عشت حياتي حالما بالأفضل، و رغم كل شيء بقيت متفائلا، و لازلت، و لو بقي يوما واحدا من حياتي…. و أنا مؤمن بأن مجموعة من الصغار إن أجتمعت تتفوق على كن يفوقها قوة و سطوة…….و بقيت مبتسما، و أكلم الأصدقاء ممن هم يشبهونني في الفقر و الألم و الحلم….. كنت أحصل على الموافقات، و لكنه كان كلاما فقط، فهم يرتعدون من القوي، و عند أول ريح يعتقدون بأنها ستقذفهم بعيدا، و عند أول حفرة، سيدفنون بها، فكان الهروب شعارهم…. و دوما أبقى وحدي في النهاية، و أذهب إلى والدتي و لا تجيب، و إنما تكتفي بإبتسامتها المعتادة ………لن أقول بأني ملاك منزل من السماء، لن أتحدث عن المبادئ التي تعلمتها من والدتي….. و عندما وصلت إلى هذه المرحلة من عمري، الكل يشير إلي بيديه، بأني مختلف عن الآخرين، لم أشبه أحدا، أبتعد عني كثيرون…أنهم يخافون مني، من معتقداتي…. ينظرون إلي نظرة مخيفة…. و كأنهم يرجمونني، صحيح أنهم لا يقذفوني بالحجارة، لكن نظراتهم مخيفة، مختلفة، أنهم يرجمونني بها، و هي علي أصعب بكثير من الحجارة……بالأمس كان عدد منهم مجتمعين يتناقشون، دخلت عليهم، و صرخت في وجوههم و قلت لهم بصوت أقوى من صوت الرياح في ذلك اليوم قلت لهم (لا ترجمونني، فأنا لست ألها).

(أنها قصة حقيقية)..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s