المزارع و البذار

و أنا جالس أقرأ الجريدة، أقترب مني إبني بهدوء،جلس و بقي ينظر لي، لاحظت نظراته و تركت حرية التعبير له عندما يريد….. مضت خمسة دقائق و هو ينظر لي، كأنه يريد مني أن أضع الجريدة جانبا، لم يرغب في أن يقاطع أفكاري….. أستجبت لرغبته، لأني أعرفه جيدا ، فهو يريد شيئا ما….. وضعت الجريدة و نظرت إلى هاتفي……. نهض من مكانه واقفا، و قال لي:…. والدي، لماذا هناك ناس أغنياء و ناس فقراء؟ ، ألم يخلق الله كل الناس متساوون؟ لماذا هناك ظلم؟ لماذا لا توجد عدالة؟….. قلت له :يا ولدي، أهدأ قليلا، أن الفرص موجودة لكل الناس، منهم من ينجح فيها، و منهم من يخفق، إضافة إلى أعمال بعض الناس تنعكس إلى نتائج، قد تكون إيجابية و أحيانا تكون سلبية، و في بعض الأحيان، الناس تساعد الناس، و منهم من يتنكر لذلك، و منهم من يقدرها….. أجلس لأحكي لك هذه الحكاية، و أحفظها في ذاكرتك إلى الأبد…………………………. …. في قديم الزمان كان هناك مزارع فقير… أستيقظ في الصباح الباكر و قال لزوجته:يا زوجتي، أنا ذاهب لأزرع الحقل سأخذ البذار معي ، لا تتأخري في جلب الطعام لي، و قليلا من الماء، قالت له :أنتظر و نذهب سوية، أليس ثقيلا عليك أن تحمله وحدك؟ قال لها:لا تقلقي، لا أريد أن نتأخر، يجب أن نزرع الحقل اليوم، يقولون أن غدا هو يوم ماطر…… و في الطريق إلى الحقل، لاحظ هناك ثقب صغير في الكيس الذي يحوي البذار، و بدأ يتساقط بعض البذار على طرفي الطريق….لم يبالي في هذه الكمية، فهي قليلة، و الوزن كبير و تابع سيره، و قبل الحقل بقليل، مشى بين الصخور من طريق مختصرة، و استمر تساقط البذار على هذه الصخور، و قال :حسنا ها هو الحقل، لم يبق لي سوى تجاوز هذه المسافة القصيرة، و أستمر تساقط البذار على هذه المسافة التي تفصل بين الصخور و الحقل، و أخيرا وصل إلى حقله، كانت التربة محروثة بشكل جيد، و هي خصبة لهذا البذار، و بدأ بالزراعة، و العمل بجد و تعب، و عند الظهيرة جلبت له زوجته الطعام و الماء، و تعاونا معا، حتى أنهيا زراعة الحقل بالبذار قبل غروب الشمس، و بدأت الغيوم تتكاثف و تتهيأ لهطول الأمطار، قال لها:دعينا نذهب، يبدو أن المطر قريب، لنذهب قبل أن يفوت الآوان…… استمر تساقط الأمطار عدة أيام، و بعد أن هدأت الأمطار… قال لزوجته:سأذهب لأطمئن على زراعتنا، لن أتأخر….. و في الطريق أراد أن يمشي من نفس الطريق التي مشى عليها، توقف على طرف الطريق، مكان سقوط البذار، فالطيور جاءت و أكلته و لم تبقي منه شيئا…… و وصل إلى الصخور، وجد البذار تنمو ببطء، و نظر إلى البذار في المنطقة الفاصلة، وجدها تنمو لكنها محاطة بالاشواك ، و أخيرا وصل إلى حقله، فحمد الله و شكره أن كل شيء بخير، و عاد الى بيته سعيدا…… و بعد عدة أيام، و هو يسير في طريقه، لم يجد أثرا لتلك التي سقطت على طرف الطريق ، و لاحظ ان البذار الذي تساقط على الصخور، جف و لم يعد موجودا، و البذار الذي سقط في المنطقة الفاصلة، ضاع بين الأشواك، و قضت عليه و كذلك لم يبق منه شيئا، فقد قضت عليه بالكامل، و نظر إلى حقله، فوجده ينمو بشكل رائع و مثمرا…….. و عند جني المحصول، فقد جنى منه أضعاف مضاعفة، و بارك الله هذا الحقل……….أنتهت الحكاية يا ولدي، صمت الولد قليلا، ثم قال لي:لقد فهمت يا والدي، هذه حياتنا، قلت له :نعم….. إن البذار هو كلمة الله في الحق و الإيمان و الصلاة و العدالة، و على طرفي الطريق كان هناك الشيطان إبليس هو الشر، الذي يقطع الطريق على البعض و يجعلهم في جهل و تعمى بصيرتهم و قلوبهم عن الحق و الطريق الصحيح، و على الصخر، هناك مجموعة من الناس تسمع كلام الله، لكن ليس لها أصل، فهم يؤمنون إلى حين، و وقت الأمتحان، تظهر حقيقتهم……. و ما سقط بين الأشواك، هم الذين سمعوا، لكن تأخذهم ملذات الدنيا و مشاغلها، و ينغمسون و يضيعون فيها،…. و أما الزرع الجيد، فهم الناس الذين يسمعون الكلمة و يطيعون الله، و يعرفون الحق، و يعملون العمل الصالح…. فالأنسان يا ولدي، ينتج مثل الذي يزرع في قلبه و يحاول أن ينشره بين الناس الآخرين…..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s